القاضي عبد الجبار الهمذاني
26
المنية والأمل
رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فقال عمر : « اللهم فقهه في الدين » ، وروى الحسن : « أن أمير المؤمنين لما بلغه قتل عثمان وهو في ناحية المسجد رفع يده ، وقال : اللهم لمز أرض ، ولم أمال » . وهو سيد التابعين . ومحله في الفضل والعلم ودعاء الناس إلى الدين مشهور . وروى داود بن أبي هند « 1 » قال : سمعت الحسن يقول : « كل شيء بقضاء اللّه وقدره إلا المعاصي » ، ورسالاته إلى عبد الملك مشهورة . وذكر أن الحجاج كتب إلى الحسن : « بلغنا عنك في القدر شيء ، فاكتب إلينا » . فكتب إليه رسالة طويلة ، نحن نذكر أطرافا منها قوله : « سلام عليك أما بعد ، فإن الأمير أصبح في قليل من كثير مضوا ، والقليل من أهل الخير مغفول عنهم ، وقد أدركنا السلف الذين قاموا لأمر اللّه ، واستنوا بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فلم يبطلوا حقا ، ولا الحقوا بالرب تعالى إلا ما لحق بنفسه ، ولا يحتجون الا ما يحتج اللّه تعالى به على خلقه ، وقوله الحق : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ . إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » » ولم يخلقهم لأمر ثم حال بينهم وبينه ، لأنه تعالى ليس بظلام للعبيد ، ولم يكن أحد في السلف يذكر ذلك ، ولا يجادل فيه ، لأنهم كانوا على أمر واحد ، وإنما أحدثنا الكلام فيه لما أحدث الناس النكرة له ، فلما أحدث المحدثون في دينهم ما أحدثوه ، أحدث اللّه للمتمسكين بكتابه ما يبطلون به المحدثات ويحذرون به من المهلكات ، ومنها قوله : « فافهم أيها الأمير ما أقوله : « فإن ما ينهى اللّه عنه فليس منه ، لأنه لا يرضى ما يسخطه من العباد ، لأنه تعالى يقول : « وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ « 3 » فلو كان الكفر من قضائه وقدره ، لرضي عمن عمله » ومنها قوله : « ولو كان الأمر كما قال المخطئون ، لما كان
--> ( 1 ) داود بن أبي هند البصري توفى سنة أربعين ومائة ، كان فقيها حافظا مبينا نبيلا ، روى عن سعيد بن المسيب وأبى العالية ، واسم أبيه أبو هند دينار بن عذافر . وقيل طهمان القشيري مولاهم . قال ابن ناصر الدين : كان داود مفتى أهل البصرة ، وأحد القانتين ، رأسا في العمل والعلم ، قدوة في الدين ( شذرات الذهب ج 1 ص 208 ) . ( 2 ) 56 ك الذاريات 51 . ( 3 ) 7 ك الزمر 39 .